الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

177

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ويكثر أن يأتوا مع حرف النفي بعد العاطف بحرف نفي مثله في الجواب ليحصل مع الاهتمام التأكيد ، كما في هذه الآية ، وهو الاستعمال الأكثر ، ولم أر في كلام العرب تقديم ( لا ) على حرف العطف إبطالا للكلام السابق ، ووقع في قول أبي تمّام : لا والذي هو عالم أنّ النوى * صبر وأنّ أبا الحسين كريم وليست ( لا ) هذه هي التي ترد مع فعل القسم مزيدة والكلام معها على الإثبات ، نحو لا أُقْسِمُ * [ القيامة : 1 ] وفي غير القسم نحو لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ [ الحديد : 29 ] ، لأنّ تلك ليس الكلام معها على النفي ، وهذه الكلام معها نفي ، فهي تأكيد له على ما اختاره أكثر المحقّقين خلافا لصاحب « الكشّاف » ، ولا يلزم أن تكون مواقع الحرف الواحد متّحدة في المواقع المتقاربة . وقد نفي عن هؤلاء المنافقين أن يكونوا مؤمنين كما يزعمون في حال يظنّهم الناس مؤمنين ، ولا يشعر الناس بكفرهم ، فلذلك احتاج الخبر للتأكيد بالقسم وبالتوكيد اللفظي ، لأنّه كشف لباطن حالهم . والمقسم عليه هو : الغاية ، وما عطف عليها بثمّ ، معا ، فإن هم حكّموا غير الرسول فيما شجر بينهم فهم غير مؤمنين ، أي إذا كان انصرافهم عن تحكيم الرسول للخشية من جوره كما هو معلوم من السياق فافتضح كفرهم ، وأعلم اللّه الأمّة أنّ هؤلاء لا يكونون مؤمنين حتّى يحكّموا الرسول ولا يجدوا في أنفسهم حرجا من حكمه ، أي حرجا يصرفهم عن تحكيمه ، أو يسخطهم من حكمه بعد تحكيمه ، وقد علم من هذا أنّ المؤمنين لا ينصرفون عن تحكيم الرسول ولا يجدون في أنفسهم حرجا من قضائه بحكم قياس الأحرى . وليس المراد الحرج الذي يجده المحكوم عليه من كراهية ما يلزم به إذا لم يخامره شكّ في عدل الرسول وفي إصابته وجه الحقّ . وقد بيّن اللّه تعالى في سورة النور كيف يكون الإعراض عن حكم الرسول كفرا ، سواء كان من منافق أم من مؤمن ، إذ قال في شأن المنافقين « وإذا دعوا إلى اللّه ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحقّ يأتوا اللّه مذعنين أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف اللّه عليهم ورسوله - ثمّ قال - إنّما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى اللّه ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا » ، لأنّ حكم الرسول بما شرع اللّه من الأحكام لا يحتمل الحيف إذ لا يشرع اللّه إلّا الحقّ ، ولا يخالف الرسول في حكمه شرع اللّه تعالى . ولهذا كانت هذه الآية خاصّة بحكم الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، فأمّا الإعراض عن حكم غير الرسول فليس بكفر إذا جوّز